الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
21
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وبهذا السلوك تقوم الحجة عليهم بتبليغ القرآن إليهم ويعاد إسماعهم إياه المرة بعد المرة لتقوم الحجة . فضمير نَسْلُكُهُ و بِهِ عائدان إلى الذِّكْرَ في قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [ سورة الحجر : 9 ] أي القرآن . والمجرمون هم كفار قريش . وجملة لا يُؤْمِنُونَ بِهِ بيان للسلك المشبه به أو حال من المجرمين ، أي تعيه عقولهم ولا يؤمنون به . وهذا عام مراد به من ماتوا على الكفر منهم . والمراد أنهم لا يؤمنون وقتا ما . وجملة وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ معترضة بين جملة لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وجملة وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ [ الحجر : 14 ] إلخ . والكلام تعريض بالتهديد بأن يحل بهم ما حل بالأمم الماضية معاملة للنظير بنظيره ، لأن كون سنة الأولين مضت أمر معلوم غير مفيد ذكره ، فكان الخبر مستعملا في لازمه بقرينة تعذر الحمل على أصل الخبرية . والسنّة : العادة المألوفة . وتقدم في قوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ في سورة آل عمران [ 137 ] . وإضافتها إلى الْأَوَّلِينَ باعتبار تعلقها بهم ، وإنما هي سنة اللّه فيهم لأنها المقصود هنا ، والإضافة لأدنى ملابسة . [ 14 ، 15 ] [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ( 15 ) عطف على جملة لا يُؤْمِنُونَ بِهِ [ سورة الحجر : 13 ] وهو كلام جامع لإبطال جميع معاذيرهم من قولهم : لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ سورة الحجر [ 7 ] وقولهم ؛ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ سورة الحجر : 6 ] بأنهم لا يطلبون الدلالة على صدقه ، لأن دلائل الصدق بيّنة ، ولكنهم ينتحلون المعاذير المختلفة . والكلام الجامع لإبطال معاذيرهم : أنهم لو فتح اللّه بابا من السماء حين سألوا آية على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي بطلب من الرسول فاتصلوا بعالم القدس والنفوس الملكية ورأوا ذلك رأي العين لاعتذروا بأنها تخيّلات وأنهم سحروا فرأوا ما ليس بشيء شيئا .